حب العالم
أصبح العالم اليوم مركزًا لأنواع مختلفة من المحن والابتلاءات. من بين كل هذه المحن، هناك محنة أساسية ورئيسية هي حب الدنيا. والمقصود بـ “الدنيا” بشكل عام هو الثروة والغنى، والمكانة والمرتبة، والشهوات والملذات، والراحة واليسر، ونمط الحياة والمعيشة، وباختصار، أي أي جانب من جوانب المجتمع والاقتصاد. هناك ميل لا شعوري نحو هذه الأشياء، وبذل الجهد من أجلها. وهذه الأمور يُشار إليها بـ “متاع الدنيا” في القرآن الكريم والحديث الشريف. وعندما يهيمن حبّ الدنيا تتّخذ الوسائل المعتادة لتحصيلها، سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة. وعندما تتقدم هذه الحالة، فلا يصبح هناك ما يحول دون تحصيلها من شيء. فتظهر الفظاظة والقسوة والظلم، وتصبح الطبيعة بالتدريج مشوّهة وتنقلب الحقائق. فيُنظر إلى الحق على أنه باطل، والباطل على أنه حق، والحق على أنه باطل، والباطل على أنه حق. وعندها يتجلى أمر الله عز وجل.
فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. (22:46)
ولذلك جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): (إن الله لا يعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب).
حب الدنيا رأس كل خطيئة
وَإِذَا كَانَتْ فِتْنَةُ الدُّنْيَا قَدْ عَمَّتْ فِتْنَةُ الدُّنْيَا حَتَّى صَارَتْ تَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّ إِبْلِيسَ اللَّعِينَ يُغَذِّي شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَيُؤَصِّلُ فِي طَبْعِهِ
وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ (29:38)
ثُمَّ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد شخّص رحمة العالمين، حضرة بقية الله الأعظم (ﷺ) هذا الداء الوبيل تشخيصًا دقيقًا منذ زمن بعيد. فقال “والله! مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. ثُمَّ تَتَنَافَسُونَهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ”.(البخاري)
فَهَذَا هُوَ مَبْدَأُ الْفَسَادِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ فَسَادُ النَّاسِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الدُّنْيَا بِالنَّفِيسِ وَالنَّفِيسِ، وَتَزَاحُمُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ. ثم لم يكتف النبي – صلى الله عليه وسلم – بتشخيص ذلك فحسب، بل اقترح علاجًا شاملًا له، يشتمل على جانب اعتقادي وآخر عملي.
أما الجانب الاعتقادي فهو أنه ينبغي أن نضع في أذهاننا في كل مناسبة أننا في هذه الدنيا مجرد ضيوف في لحظات قليلة، وأن الراحة واليسر فيها زائلة، وأن كل مشقة وصعوبة ستنتهي. إن ملذات الدنيا وشهواتها لا وجود لها ولا قيمة لها مقارنة بنعيم الآخرة الذي لا نهاية له والراحة الأبدية الأبدية. والقرآن الكريم دعوة كاملة لهذا الاعتقاد، وقد ذُكرت هذه الحقيقة مئات المرات. وفي سورة الأعلى جاء التحذير منها بكلمات في غاية البلاغة والإيجاز والشمول.
بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا (87:16)
وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ (87:17)
وَالْوَصْفُ الْعَمَلِيُّ لِهَذِهِ الْوَصْفَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَغِلَ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ وَيَحْذَرَ مِنْ بَابِ الْحَذَرِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَشُوبَاتِ وَيَتَجَنَّبَهَا. وينبغي الابتعاد عن ملذات الدنيا وشهواتها بأقصى درجات ضبط النفس. وينبغي اعتبار أموال الدنيا ومتاعها، وكذلك الزوجات والأولاد والأهل والأقارب، وحكايات القبيلة والمجتمع، من ضروريات الحياة التي لا مفر منها، ولا ينبغي أن يتعاطاها إلا بالقدر الضروري. ولا ينبغي اختيار شيء من ذلك من أجل حياة الترف والانغماس في الدنيا. ولا ينبغي اعتبار السعي وراء الملذات الدنيوية غاية الحياة وموضوعها. إن الوصية النبوية الشريفة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هي
اياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين
ومن العجيب أن الطبيب إذا أفتى بأن أكل اللبن والسمن واللحم وغير ذلك من هذه الأشياء مضر، فإن هذه النعم كلها يمكن تركها بتوصياته وإشاراته. ولكن الهدي الواضح لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم والوحي الإلهي يجعل من غير المقبول ترك ولو جزء يسير من اللذة منها. وعندما يتأمّل المرء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومستوى معيشته هو وأهل بيته وأصحابه من البداية إلى النهاية، يتّضح له أنّ التعلّق بنعيم الدنيا هو محض جنون.
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن قوماً أتوه بلحم قد شوي، فقال: “كُلُوا مِنْ لَحْمِ الضَّبِّ”. فدعوه ليأكله فأبى وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ولم يأكل من الدنيا شبعاً بسمنٍ شهراً كاملاً. وما مرّت عليه ليالٍ قطّ فيها سراجٌ موقد، ولا أيامٌ فيها سراجٌ موقد. كان قوته الماء والتمر، وحتى هذان لم يكونا متوفرين دائمًا. وكان يصوم ثلاثة أيام في كل مرة، ويربط الحجارة على بطنه من شدة الجوع، وفي مثل هذه الحالة كان يجاهد ويقاتل”.
وكان هدفه الزهد والقناعة والقناعة والفقر والمثابرة وعدم المبالاة براحة الدنيا. ومن الواضح أن هذه الطريقة في الحياة قد اختارها عمدًا حتى تتم حجة الله على الأجيال القادمة. وإلاّ لو شاء لأعطاه الله كل شيء لو شاء. إلا أن الدنيا وزخارفها عند الله تعالى من التفاهة بحيث لم يشأ أن يشين بها أحبابه وعباده المقربين. بل إن بعض الأنبياء قد أُعطيَ بعض الأنبياء ملكاً عظيماً، ولكن ذلك لم يؤثر في زهدهم وانقطاعهم عن الدنيا. فقد كان لهم كل شيء لغيرهم، ولم يكن لهم شيء لأنفسهم. وهذا لا يعني أن يتخلى المرء عن الدنيا من أجل الرهبنة، لا يعني هذا أن يتخلى المرء عن الدنيا من أجل الرهبانية، لا على الإطلاق. فالتجارة والزراعة وكسب الرزق الحلال واكتساب الثروة كلها أمور شرعها الدين. فإذا صح القصد، فإن كل هذه الأمور تصبح كلها وسيلة للآخرة ومصدرًا للثواب، وإذا صح القصد، فإن كل هذه الأمور تصبح وسيلة للآخرة ومصدرًا للثواب. والشريعة لا تفرض قيودا على هذه الأشياء، وإنما تريد أن توجهها الوجهة الصحيحة، لإصلاح المقصد منها. وبهذه الطريقة يمكن أن تصبح الحياة الدنيا كلها حياة الآخرة. فلو أنفق المرء حياته كلها في العبادة وكل وقته في التعليم والوعظ، ولكن غرضه هو الجاه الشخصي أو اكتساب المال، فإن كل هذه الأمور تصبح دنيوية.
