ترتيب القربان
يرى الإمام أبو حنيفة (رحمه الله تعالى) أن الأضحية واجبة، وهذا هو القول الراجح عنده، وهو قول الجمهور. وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ.
وَذُكِرَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ:
قال رَحِمَهُ اللهُ: (تَجِبُ على حُرٍّ مُسْلِمٍ مُوسِرٍ مُقِيمٍ على نَفْسِهِ لَا عن طِفْلِهِ شَاةٌ أو سُبُعُ بَدَنَةٍ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِهِ) يَعْنِي صِفَتُهَا أنها وَاجِبَةٌ، وَعَنْ أبي يُوسُفَ: أنها سُنَّةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أنها سُنَّةٌ على قَوْلِ أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وهو قول الشافعي، لهم قَوْلُهُ ﷺ: إذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أحدكم أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عن شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَجَمَاعَةٌ أخرى، وَالتَّعْلِيقُ بِالْإِرَادَةِ يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهَا لو كانت وَاجِبَةً على الْمُقِيمِ لَوَجَبَتْ على الْمُسَافِرِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ. وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﷺ: من وَجَدَ سَعَةً ولم يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وابن مَاجَهْ، وَمِثْلُ هذا الْوَعِيدِ لَا يَلْحَقُ بِتَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ بِإِعَادَتِهَا من قَوْلِهِ: من ضَحَّى قبل الصَّلَاةِ فَلْيُعِد الْأُضْحِيَّةَ. وَإِنَّمَا لَا تَجِبُ على الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا مُخْتَصٌّ بِأَسْبَابٍ تَشُقُّ على الْمُسَافِرِ وَتَفُوتُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَلَا يَجِبُ عليه شَيْءٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عنه كَالْجُمُعَةِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفُوتَانِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يَخْرُجُ…
كما أن الأضحية يجب أن تكون من الفرد نفسه لا عن أولاده، سواء كان الأولاد بالغين أو قاصرين، أغنياء أو غير أغنياء.
ويجوز التضحية بالحيوانات التالية: الجمل، والجمل، والناقة، والماعز، والنعجة، والنعجة، والخروف، والكبش، والبقرة، والثور، والجاموس، والثور. وباستثناء الكبش والماعز والنعجة والنعجة والخروف التي تتطلب اشتراك سبعة أفراد على الأقل، يمكن أن يشترك في جميع الحيوانات الأخرى عدد أقل من الأفراد، بشرط ألا يقل عدد المشتركين عن سُبع الحيوان وأن ينوي الجميع التضحية معاً أو ينوون العقيقة. ومن المهم ألا تكون نية الاشتراك في اللحم فقط. أما في حالة البقر والجاموس والإبل فيمكن أن يشترك أقل من سبعة أفراد، فمثلاً إذا كانوا أربعة أشخاص، فيمكن أن يأخذ ثلاثة أفراد سهمين، ويأخذ شخص واحد سهماً واحداً. وَكَذَلِكَ لَوْ قُسِّمَ الْحَيَوَانُ كُلُّهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَفْرَادٍ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا. وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَكَذَا لَوْ أَرَادَ جَمَاعَةٌ أَنْ يُضَحِّيَ وَاحِدٌ جَازَ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَجْمَعُوا مِقْدَارَ مَا يَخُصُّهُمْ وَيُعْطُوهُ لِوَاحِدٍ يُضَحِّي بِهِ. وبهذه الطريقة تعتبر الأضحية مؤداة عن شخص واحد، ويكون الثواب مشتركاً بين الجميع. إذا تم شراء حيوان للتضحية بنية أن يشترك فيه شخص آخر فيما بعد، فيجوز ذلك. ومع ذلك، من الضروري أن يكون الحيوان الثاني على الأقل من نفس القيمة. أما إذا كان أقل قيمة فلا يجوز الاحتفاظ بالقدر الزائد، بل يجب التصدق به. نعم إذا لم يعيّن الحيوان الذي يجب شراؤه لفظاً ولكن القصد أنه إذا وجد حيواناً جيداً يتم شراؤه فلا إشكال في الاحتفاظ بالمبلغ الزائد. أما إذا ضاعت الأضحية واشترى بدلها حيواناً آخر، فإن كان الشخص الذي يقدم الأضحية غنياً جاز له ذبح أي من الحيوانين. أما إذا كان الشخص الذي يقدم الأضحية فقيراً، فيجب ذبح الحيوانين معاً. توضيح: إذا اشترى شخص حيواناً للتضحية، وقبل أن يضحي به ضاع الحيوان فلا يلزم شراء حيوان آخر للتضحية به لأن وجوب التضحية قد تحقق بالشراء الأول وإن لم يؤدها. أما إذا فقد الموسر الشاة الأولى ثم وجدها مع الشاة الثانية فإن الموسر لا يلزمه إلا أداء الواجب الشرعي (الأضحية) ويكفي ذبح أي من الشاتين. من ناحية أخرى، لم يكن من الواجب على الفقير شراء حيوان ثانٍ للتضحية. وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْفَقِيرَ اشْتَرَى حَيَوَانًا آخَرَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَتَكُونُ التَّضْحِيَةُ بِذَلِكَ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ وَاجِبَةً.
فائدة:
ويستفاد من هذه الفائدة: أن وجوب الأضحية على مذهب الحنفية أقل أهمية من سائر العبادات الواجبة كصدقة الفطر وسجدة التلاوة؛ لأن الأضحية في مذهب الحنفية واجبة على الفقير في الأضحية، أما في مذهب المالكية فهي واجبة على الفقير في الأضحية. ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ:
قال الْقُدُورِيُّ: الْوَاجِبُ على مَرَاتِبَ بَعْضُهَا آكَدُ من بَعْضٍ، وَوُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ آكَدُ من وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وُجُوبُهَا آكَدُ من وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ. (كتاب الأضحية). (الحديث: 3123)
ويستفاد من هذا الحديث عدة أمور:
1. أن الحديث المذكور يؤكد على أهمية الأضحية وأهميتها رغم وجود الوسائل التي تمكنه من ذلك. 2ـ أنه يدل على أهمية الأضحية كواجب، وإن كانت أقل أهمية من غيرها من العبادات.
2. وقد ورد في التحذير من إهمال فريضة الأضحية رغم وجود الوسائل، مما يدل على وجوب الأضحية، ويبين إمكانية ارتكاب الإثم بترك هذا الواجب. (البحر الرائق)
3. لكن ينبغي أن يُعلم أن هذا الحديث لا يدل على أن من ترك الأضحية لا تصح منه صلاة العيد، ولا يدل على أن صلاة العيد لا تصح منه. فإن صحة صلاة العيد وأدائها لا تتوقف على تقديم الأضحية، بل صلاة العيد واجبة على الأفراد على كل حال، ولا يلزم من ذلك أن تكون صلاة العيد واجبة على كل فرد. والواقع أن هذا الحديث يهدف إلى التثبيط والتنفير من الذين يتعمدون ترك الأضحية أو يتذرعون بعدم التضحية رغم امتلاكهم الإمكانيات. ومن العجيب أن الناس ينفقون بسهولة مبالغ طائلة في أعراسهم واحتفالاتهم بل ويقترضون ويتحملون الأعباء، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأضحية يأتون بأعذار وذرائع مختلفة. ولا شك أن الله تعالى أعلم، وهو أعلم بما يقبل من الأعذار وما لا يقبل من الأعذار. وينبغي أن ننظر فيما إذا كانت هذه الأعذار والذرائع مقبولة عند الله في الآخرة. والله تعالى العليم البصير العليم، وهو العليم بما يقبل من الأعذار وما لا يقبل. وعلينا أن نفكر فيما إذا كان تقديم الأعذار والأعذار أمام الله تعالى مقبولاً أم لا. وعلينا أن نلجأ إلى الله تعالى ونلجأ إليه أن يوفقنا لأداء فريضة الأضحية على الوجه الأكمل ولا نستحق الوعيد الشديد على تركها.
4. وفي هذا الحديث دليل على اشتراط الاستطاعة في الأضحية، وبيان أن الأضحية ليست واجبة على كل أحد، وإنما تجب على من كان عنده القدرة والاستطاعة، وتحديداً من توفرت فيه شروطها من ملك النصاب الموصوف.
وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ ” مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا ” (سنن ابن ماجه)
